عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

54

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

غدونا فإذا بالشاب جالس على باب قصره ، فلما عاين مالكا هشّ إليه ثم قال ما تقول فيما قلت بالأمس ؟ قال تفعل ؟ قال نعم ، فأحضر البدر ، ودعا بدواة وقرطاس ثم كتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا ما ضمن مالك بن دينار لفلان ابن فلان : إني قد ضمنت لك على اللّه تعالى قصرا بدل قصرك بصفته كما وصفت ، والزيادة على اللّه تعالى ، واشتريت لك بهذا المال قصرا في الجنة ، أفيح من قصرك هذا ، في ظلّ ظليل بقرب العزيز الجليل ، ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الشاب ، وحملنا المال ، فما أمسى حتى ما بقي مقدار ليلة ، وما أتى على الشاب أربعون يوما حتى وجد مالك رضى اللّه عنه كتابا موضوعا في المحراب عندما انفتل من صلا الغداة ، فأخذه ونشره فإذا في ظهره مكتوب بلا مداد : هذه براءة من اللّه العزيز الحكيم لمالك بن دينار ، وفّينا الشاب القصر الذي ضمنت له وزيادة سبعين ضعفا ، قال فبقى مالك رضي اللّه عنه متعجبا وأخذ الكتاب ؛ فقمنا فذهبنا إلى منزل الشاب فإذا الباب مسودّ والبكاء في الدار ، فقلنا ما فعل الشاب ؟ قالوا مات بالأمس ، فأحضرنا الغاسل فقلنا له : ما فعلت أنت غسلته ؟ قال نعم ، قال مالك : فحدثنا كيف صنعت ؟ قال : قال لي قبل الموت : إذا أنا مت وغسلتنى وكفنتنى اجعل هذا الكتاب بين كفنى وبدني ، فجعلت الكتاب بين كفنه وبدنه ودفنته معه ، فأخرج مالك الكتاب ، فقال الغاسل هذا الكتاب بعينه والذي قبضه ، لقد جعلته بين كفنه وبدنه بيدي ، قال فكثر البكاء . فقام شاب فقال : يا مالك خذ منى مائتي ألف درهم واضمن لي مثل هذا ، قال هيهات كان ما كان وفات ما فات ، واللّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، قال فكان مالك كلما ذكر الشاب بكى ودعا له ، رحمة اللّه تعالى عليه . ( الحكاية السابعة عشرة : عن محمد بن السماك رضي اللّه تعالى عنه ) قال : كان موسى بن محمد بن سليمان الهاشمي من أنعم بنى أمية عيشا وأرخاهم بالا ؛ يعطى نفسه شهوتها من صنوف اللذات في المأكل والمشرب والملبس والطيب والجواري والغلمان ، ليست له فكرة ولا همة إلا في الذي هو فيه من عيشته ولذّته ، وكان شابا جميلا ، وجهه كاستدارة القمر ، كانت نعمة اللّه عليه سابغة يستغل في كلّ حول نحوا من ثلاثمائة ألف درهم وثلاثة آلاف دينار ، يصرف هذا كله فيما هو فيه من النعيم ، وكان له مستشرف عال يقعد